محمد أبو زهرة
1321
زهرة التفاسير
إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً البيت المقصود به هنا هو البيت الحرام ، وهو الحرم المكي العامر إلى يوم القيامة ، وقد عرفه بأنه الذي ببكة ، وبكة هي مكة . وفي لغة العرب قلب الميم باء في أحوال كثيرة من غير انضباط ، ولقد جاء في تفسير الزمخشري ما نصه : ( مكة وبكة لغتان فيها نحو قولهم : النبيط والنميط في اسم موضع بالدهناء ونحو : من الاعتقاب أمر راتب ، وراتم ، وحمى مغمطة ومغبطة . وقيل : مكة البلد ، وبكة موضع المسجد ، وقيل اشتقاقها من بكّه إذا زحمه ؛ لازدحام الناس فيها ) . وقيل : بك بمعنى دك ؛ وذلك لأن اللّه يدق عنق كل من يرومها بسوء . وعرف البيت بأنه الذي ببكة للإشارة إلى أن مكة ذاتها هي مثابة الشريعة الباقية وهي شريعة النبيين أجمعين ، وهي خالدة إلى يوم القيامة ، وهي الإسلام جماع كل الشرائع السماوية ؛ وهو الذي وصى اللّه به إبراهيم وموسى وعيسى . وما معنى أولية البيت الحرام ؟ أهي أوليته من ناحية أنه أول بيت بنى للعبادة ؟ أم أنه أول بيت بنى بإطلاق . قيل : إنه أول بيت بنى في الأرض ؛ فقيل إن الملائكة بنته لآدم ؛ كما ورد في بعض الآثار ؛ وليس ثمة مانع عقلي ؛ إن الذي يبدو من خلال الآيات : أنه أول بيت من بيوت العبادة القائمة ؛ فهو أسبق من بيت المقدس وجودا ؛ وهو أجمع للديانات السماوية من بيت المقدس ؛ لأن إبراهيم أبا الأنبياء أصحاب هذه الشرائع الباقية هو الذي بناه ؛ بينما بنى بيت المقدس في عهد داود وسليمان عليهما السلام « 1 » .
--> ( 1 ) عن أبي ذرّ رضي اللّه عنه قال : قلت يا رسول اللّه أيّ مسجد وضع في الأرض أوّل ؟ قال : « المسجد الحرام » قال قلت : ثمّ أيّ ؟ قال : « المسجد الأقصى » قلت : كم كان بينهما ؟ قال : « أربعون سنة ، ثمّ أينما أدركتك الصّلاة بعد فصلّه ؛ فإنّ الفضل فيه » [ رواه البخاري : أحاديث الأنبياء - واتخذ الله إبراهيم خليلا ( 3115 ) ، ومسلم : المساجد ومواضع الصلاة ( 808 ) ] .